الشيخ محمد رشيد رضا
270
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ، أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) فقد جعل التطير من الجهل وفقد العلم بالحقائق ( ثانيهما ) انه ينبغي لمن أصابته سيئة ان يبحث عن سببها من نفسه ولا يكتفي بعدم اسنادها إلى شؤم غيره ممن ليس له فيها عمل ولا كسب لان السيئة تصيب الانسان بما تقدم شرحه آنفا من تقصيره وخروجه بجهله أو هواه عن سنة اللّه في التماس المنفعة من أبوابها ، واتقاء المضار باتقاء أسبابها ، لان الأصل في نظام الفطرة البشرية هو ما يجده الانسان في نفسه من ترجيح الخير لها على الشر ، والنفع على الضر ، وكون كل قوة من قواه نافعة له إذا أحسن استعمالها ، وليس في أصل الفطرة سيئة قط ، وانما الانسان يقع في الضرر غالبا بسوء الاستعمال وطلب ما لا تقتضيه الفطرة لولا جنايته عليها باجتهاده ، كالافراط في اللذات والتعب تنفر منه الفطرة فيحتال الانسان عليها ويحملها ما لا تحمله بطبعها لولا ظلمه لها كاستعماله الأدوية لإثارة شهوة الطعام والوقاع وعدم وقوفه فيهما عند حد الداعية الطبيعية كأن لا يأكل الا إذا جاع من نفسه ولا يملأ بطنه من الطعام بما يحمله على ذلك من الأدوية المقوية والتوابل المحرضة ، فمصائب الانسان من ظلمه وكسبه ( راجع ص 77 و 189 - 192 و 224 ج 4 ) لبّ هذه الحقيقة الثانية التي علمنا اللّه إياها وربانا بها هو ان سننه تعالى في فطرة الانسان ، كسننه في فطرة سائر الحيوان والنبات ، « ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ » كلها مصادر للحسنات ، ليس فيها شيء سيئ بطبعه ، ولكن الانسان فضل على غيره بما أوتي من الاستعداد للعلم ، ومن الإرادة والاختيار في العمل ، فإذا أحكم العلم وأحسن الاختيار مهتديا بسنن الفطرة وأحكام الشريعة وهي كلها من عند اللّه ومن محض فضله ورحمته كان مغمورا في الحسنات والخيرات ، وإذا قصر في العلم وأساء الاختيار في استعمال قواه وأعضائه في غير ما يقتضيه نظام الفطرة وحاجة الطبيعة وقع في الأمور التي تسوءه ، فيجب عليه أن يرجع على نفسه بالمحاسبة والمعاتبة كلما أصابته سيئة ، ليعتبر بها ويزداد علما وكمالا ، فهذه الآية أصل من أصول علم الاجتماع وعلم النفس فيها شفاء للناس من أوهام الوثنية ، وتثبيت في مقام الانسانية